الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
21
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
تعالى : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ( 1 ) . وأما الإنجيل فقد أطلقت عليه الآية الأخيرة اسم النور . والقرآن - أيضا - حيث نقرأ قوله تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ( 2 ) . فكما أن النور يعتبر - في الحقيقة - ضرورة حتمية لجميع الموجودات من أجل أن تواصل حياتها ، كذلك تكون الأديان الإلهية والشرائع والكتب السماوية ضرورة حتمية لنضوج وتكامل بني الإنسان . وقد ثبت من حيث المبدأ أن مصدر كل الطاقات والقوى والحركات وكل أنواع الجمال هو النور ، فكذلك الحال في تعليمات الأنبياء وارشاداتهم ، فلولاها لساد الظلام كل القيم الإنسانية سواء الفردية منها أو الاجتماعية ، وهذا ما نلاحظه في المجتمعات المادية بكل وضوح . لقد كرر القرآن الكريم في مجالات متعددة أن التوراة والإنجيل هما كتابان سماويان ، ومع أن هذين الكتابين - دون شك - منزلان في الأصل من قبل الله سبحانه وتعالى ، لكنهما - بالتأكيد - قد تعرضا بعد حياة الأنبياء إلى التحريف ، فحذفت منهما حقائق وأضيفت إليهما خرافات ، وأدى ذلك إلى أن يفقدا قيمتهما الحقيقية ، أو أن الكتب الأصلية تعرضت للنسيان والتجاهل وحلت محلها كتب أخرى حوت على بعض الحقائق من الكتب الأصلية ( 3 ) . وعلى هذا الأساس فإن كلمة النور التي أطلقت في القرآن الكريم على هذين الكتابين ، إنما عنت التوراة والإنجيل الأصليين الحقيقيين . بعد ذلك تكرر الآية التأكيد على أن عيسى ( عليه السلام ) لم يكن وحده الذي أيد
--> 1 - المائدة ، 44 . 2 - المائدة ، 15 . 3 - راجع كتابي " الهدى إلى دين المصطفى " و " أنيس الأعلام " لمعرفة تفاصيل التحريف الوارد في الإنجيل والدلائل التأريخية على ذلك .